فخر الدين الرازي

91

المطالب العالية من العلم الإلهي

البتة عندهم ، فإن من المعلوم بالضرورة : أن القصد إلى تحصيل الشيء ، لا يمكن إلا عند حصول تصوره في الذهن . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : إن حقيقة الإيجاد والتكوين متصورة من بعض الوجوه ، عند البهائم والحشرات . وإن كان كمال تصور هذه الماهية غير حاصل عندهم . وإذا كان كذلك ، كفى ذلك القدر من التصور ، في إمكان قصد هذه الحيوانات ، إلى الإيجاد والتكوين ؟ . والجواب : إن ماهية الإيجاد والتكوين غير متصورة عند الأكثرين من البشر ، والأكثرين من البهائم والحشرات . وإذا كانت هذه الماهية غير متصورة عندها ، استحال منها أن تقصد إليها وإلى تحصيلها . لأن القصد إلى تحصيل الشيء مشروط بتصوره وحصول « 1 » الشعور بماهيته . وبالله التوفيق البرهان السادس أن نقول : العبد لو صح منه إيجاد بعض الممكنات ، لصح منه إيجاد كلها . واللازم محال ، فالملزوم محال . وبيان الملازمة من وجوه : الأول : إن العبد لو قدر على إيجاد بعض الممكنات ، لكان [ كون « 2 » ] ذلك البعض مقدورا . إنما كان : لكونه ممكن الوجود . فإنا لو رفعنا الإمكان ، بقي إما الوجوب ، وإما الامتناع . وهما يحيلان المقدورية ، وما يحيل المقدورية لم يفد صحة المقدورية . ولما ثبت أنه لا مدخل لهما في هذا الباب ، لم يبق إلا الإمكان . والإمكان قضية مشتركة بين كل الممكنات ، فلزم من هذا كون جميع الممكنات مقدورة للعبد .

--> ( 1 ) وعند حصول ( م ) . ( 2 ) من ( ط ) .